العراق.. وخريطة الأحزاب الكردية
معظم القيادات خرجت من خيمة الحزب الديمقراطي الكردستاني
قبل عام 1946 لم يكن هناك حزب كردي عراقي، حتى تأسس الحزب الديمقراطي الكردستاني من قبل زعيم الثورة الكردية ملا مصطفى بارزاني في 16 أغسطس (آب) 1946، على أراضي جمهورية مهاباد في كردستان إيران. تشكلت هذه الجمهورية التي دامت 6 أشهر فقط، بدعم سوفياتي أثناء تواجدهم في إيران عقب الحرب العالمية الثانية.
ومن خيمة الحزب الديمقراطي الكردستاني، خرجت معظم قيادات الحركات أو الأحزاب الكردية الأخرى. فالرئيس العراقي جلال طالباني، الأمين العام للاتحاد الوطني الكردستاني، كان قياديا في الحزب الديمقراطي الذي يطلق عليه، في اللغة الكردية، تسمية (البارتي). وكان رفيقا للزعيم بارزاني خلال الثورة الكردية، وكذلك للسياسي الكردي المعروف محمود عثمان الذي انتمى للديمقراطي الكردستاني في عام 1955 ولازم بارزاني لسنوات طويلة. والكلام ذاته ينطبق على السياسي الكردي فؤاد معصوم، القيادي في الاتحاد الوطني الذي كان قد انتمى للحزب الديمقراطي الكردستاني في عام 1956. وسنلاحظ فيما بعد أن هناك قياديين آخرين في الحركة الكردية كانوا قد تتلمذوا على يد بارزاني في معاقل الثورة الكردية، وخرجوا من بين صفوف الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يقوده اليوم نجل ملا مصطفى بارزاني، مسعود بارزاني، الذي يرأس إقليم كردستان.
كان ملا مصطفى رئيسا لأركان الجيش في جمهورية مهاباد، قبل أن يتم القضاء على هذه الجمهورية من قبل الحكومة الإيرانية بعد انسحاب القوات السوفياتية من الأراضي الإيرانية ولجوء بارزاني إلى الاتحاد السوفياتي، حيث بقي.
بعد ثورة 14 يوليو (تموز) 1958 التي قادها عبد الكريم قاسم، عاد بارزاني مع رفاقه إلى العراق عام 1959 بدعوة من قاسم. وما زال كبار السن في محافظة البصرة يتذكرون وصول بارزاني إلى ميناء شط العرب، حيث وصل عبر البحر. خرج حينها آلاف البصريين لاستقباله. وبات ينظر إلى هذا الحدث كتاريخ فاصل في المدينة، فيقولون حدث ذلك مثلا، قبل وصول بارزاني، أو بعد وصوله.
كان قاسم، على ما يبدو، جادا في إعطاء الأكراد حقوقهم القومية، وخاض مناقشات مع بارزاني في هذا الصدد لولا تدخل الأحزاب القومية العربية، وفي مقدمتها حزب البعث، التي أفشلت هذه المباحثات، وأفهمت قاسم بأن الأكراد يريدون إنشاء دولة كردستان داخل دولة العراق، ومن ثم ستنفصل عن جسد الوطن الأم. وقد عرف عن قاسم وطنيته وحرصه على الحفاظ على وحدة البلد، فتخلى عن تعهداته تجاه مطالبة الأكراد بأن يكون لهم حكم ذاتي يحافظون من خلاله على حقوقهم القومية، فاشتعلت نار الصراع المسلح. ولم يكن الصراع متكافئا عسكريا، بين جيش دولة العراق، ومقاتلي البشمركة الذين لم يكن لديهم سوى بنادق بدائية. وقام قاسم بحملة عسكرية على معاقل الحزب الديمقراطي الكردستاني في عام 1961.
استمر الصراع المسلح بصورة متفاوتة حتى عام 1970، عندما كان أحمد حسن البكر رئيسا للعراق ونائبه صدام حسين، حيث حصلت هدنة مؤقتة ودخل بارزاني في نقاشات مع الحكومة العراقية البعثية لينتج عنها في 11 مارس (آذار) اتفاقية الحكم الذاتي للأكراد. ولكن سرعان ما تراجعت الحكومة العراقية عن تعهداتها والتزاماتها تجاه الأكراد وتجاه الاتفاقية، ليبدأ الصراع المسلح مرة أخرى في عام 1974.
كان شاه إيران محمد رضا بهلوي وقتذاك من أكثر الداعمين للثورة الكردية في العراق، ليس حبا للأكراد أو حرصا على حقوقهم، إذ كان الأجدر به أن يمنح أكراد إيران جزءا من حقوقهم، ولكن دعمه لأكراد العراق كان بمثابة ورقة ضغط يستعملها ضد العراق. أبرم صدام حسين وشاه إيران اتفاقية سلام في الجزائر في عام 1975، وكانت تتضمن وقف الدعم الإيراني عن الثوار الأكراد بقيادة بارزاني. وقد عرضهم هذا الأمر لانتكاسة خطيرة كادت تنهي الحركة الكردية والحزب الديمقراطي الكردستاني، إذ انتهى المطاف بالزعيم بارزاني إلى الولايات المتحدة حيث توفي في أحد مستشفياتها (جورج واشنطن) في عام 1979.
خلفت اتفاقية الجزائر وتوقف نشاط الثورة الكردية، الكثير من الأزمات بين الأوساط السياسية والشعبية الكردية. ودفع ذلك ببعض السياسيين الأكراد، من رفاق الزعيم بارزاني، إلى التحرك لمعالجة الوضع كل بحسب اجتهاداته. فقام طالباني، الذي كان قد اختلف مع ملا مصطفى بارزاني في عام 1964، وشكل مع إبراهيم أحمد ومجموعة من القياديين في الحزب الديمقراطي الكردستاني ما سمي وقتذاك بالمكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني، منشقا عن قيادة بارزاني. وبعد ما يعتقد بانهيار الثورة الكردية في عام 1975، إثر اتفاقية الجزائر، أسس طالباني مع مجموعة من القياديين السابقين في الديمقراطي الكردستاني حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وكان معه ثمانية من رفاقه، بينهم نوشيروان مصطفى وفؤاد معصوم. كان ذلك في الأول من يونيو (حزيران) 1975 في دمشق. وبتأسيسه هذا الحزب، وهو ثاني الأحزاب الكردية في العراق، يكون طالباني قد أعلن ـ وبشكل جدي ـ انفصاله عن الديمقراطي الكردستاني وعن زعيمه ملا مصطفى بارزاني الذي كان يعاني من أوجاع الغربة وألم انهيار ثورته، وهموم شعبه على بعد آلاف الأميال في واشنطن.
لقد أراد طالباني، بتشكيله الاتحاد الوطني الكردستاني، أن يملأ الفراغ الذي خلفه غياب الحزب الديمقراطي الكردستاني عن ساحة الصراع المسلح بين الأكراد والحكومة العراقية، وليؤكد أن الأكراد لن يتخلوا عن مطالبهم بحقوقهم القومية والسياسية. فبدأ الحزب على شكل ائتلاف بين 5 قوى كردية مختلفة، كان أبرزها ثوار كردستان بزعامة جلال طالباني، ومجموعة كادحي كردستان بزعامة نوشيروان مصطفى.
الشرق الأوسط




